بين العِلم والمعرفة: مَن أنت كإنسان؟ (الجزء الثاني)
قبل ان تسال من انت توقف لحظة واسال ما معنى ان تكون انسانا هذا النص ياخذك في رحلة عميقة بين اللغة والفلسفة والدين لتقترب من فهم ذاتك بشكل لم تجربه من قبل
ي المقال السابق «بين العِلم والمعرفة: هل نعرف أنفسنا حقًّا؟» حاولتُ أن أميّز معك بين ما نسمّيه معرفة، وما نعدّه عِلمًا، ثم ختمتُ بسؤال مفتوح: هل علِمتَ من أنت الآن حقًّا؟ ووعدتُك أن أحاول في هذا الجزء أن أقترب أكثر من إجابة: مَن أنت كإنسان. قبل أن نفي بهذا الوعد، دعني أتوقّف معك عند لمحة قرآنية دقيقة في قوله تعالى عن أهل الجنّة ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾, لم يقل: «أخبرهم عنها» أو «علّمهم وصفها»، بل قال: «عَرَّفَهَا» أي جعلهم يعرفونها ويتعرّفون عليها، أي قدمها لهم، كأنّ العِلم مرهون بالمُشاهَدة والدليل، بينما المعرفة تُدرَك بالقلب. هذه اللمحة تعيد فتح الفارق بين العِلم والمعرفة, أن تعرف شيئًا من الخارج، غير أن تختبره وتعيش داخله.
من هنا، وقبل أن أقول لك مَن أنت كإنسان، دعنا أولًا نتعرّف ونتّفق على معنى هذه الكلمة: «الإنسان».
نحن نستخدم الكلمة طوال اليوم: فلان إنسان طيّب، وهذا إنسان قاسٍ، هذه قضيّة إنسانية، تلك تجربة إنسانية. لكن… ما معنى كلمة «إنسان»؟ وما أصلها؟ قبل أن نجيب عن «مَن أنت؟» ينبغي أن نفهم «ما أنت»، أي ماهيّتك كونك إنسانًا.
أوّلًا: كلمة «إنسان» في اللغة العربية
اختلف اللغويّون في أصل كلمة «إنسان»، وهذا الاختلاف مُعبِّر، لأنه يكشف تعدّد الأبعاد في نظرتنا إلى الإنسان نفسه.
من «الأُنس»… الكائن الذي يألف ويُؤلَف
من أشهر الآراء أنّها من الجذر (أ ن س): الأُنس، أي ضدّ الوحشة. الإنسان هنا هو الكائن الذي لا يعيش وحده، يحتاج إلى الآخر، أُسرة، صديق، قبيلة، مجتمع، أمّة. بهذا المعنى، «إنسان» تعني: الكائن الذي لا يكتمل إلا في حضور آخر، في علاقة، في حوار. ليس غريبًا إذن أن أشدّ العقوبات التي اخترعها البشر هي الحبس الانفرادي؛ كأنّك تقول للإنسان، سننزع عنك معنى ماهيّتك، فنتركك بلا أُنس.
من «النِّسيان»… الكائن الذي ينسى
رأي آخر عند بعض أهل اللغة يربط «إنسان» بالجذر (ن س ي): النسيان. فالإنسان يميل بطبعه إلى نسيان نعم الله، وينسى آلامه القديمة عندما تزول، وينسى كثيرًا من التفاصيل بعد أيّام، وينسى حتى نفسه حين يصبح ما حوله شُغله الشاغل. هذا التفسير ينسجم مع آيات كثيرة تذكّرنا بماهيّتنا، مثل ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. كأنّ النسيان جزء من تركيبنا، نعمة أحيانًا (لولا النسيان ما تعافينا من الصدمات)، ونقمة أحيانًا (لأنّنا ننسى العهود والمعاني).
من «النَّوْس» والحركة… الكائن المتقلّب
رأي ثالث يربطها بالفعل «نَاسَ يَنُوس» أي تحرّك واضطرب وتمايل. الإنسان هنا ليس ثابتًا، بل يتحرّك جسدًا وقلبًا وعقلًا، يتقدّم ويتراجع، يقوى ويضعف، يؤمن ويشكّ، ينهض ويسقط. لو جمعنا هذه الآراء الثلاثة، تتكوّن أمامنا صورة مخلوق محتاج للأُنس، مبتلى بالنسيان، متحرّك جوهريًّا، متقلّب لا يثبت على حال. هذه ليست عيوبًا مطلقة، بل ملامح تكوينك. إنسان لأنّك تألف وتأنس، وإنسان لأنّك تنسى فتتوب ثم تعود فتُذكَّر، وإنسان لأنّك في حركة مستمرّة بين نقصٍ واكتمال، وخطأٍ وصواب.
ثانيًا: الإنسان في اللغات الأخرى
لنخرج قليلًا من اللغة العربيّة، وننظر كيف عرّفت لغات أخرى هذا الكائن الذي هو «أنت».
Human / Homo
في اللاتينية، كلمة Homo تشير إلى «ابن الأرض»، من جذر قريب من humus (التُّراب، التربة). كأنّ الإنسان عندهم، كائن أرضي، مخلوق من مادّة، محدود بالجاذبية والزمن. ومنها جاءت كلمة Human بالإنجليزيّة، وكل السلسلة اللاتينية مثل Humain, Humano. وكأنّ اللغات الأوروبية تذكّرنا بأصل واحد للإنسان: مرتبط بالأرض، ليس ملاكًا ولا فكرة، بل جسد من تراب.
Anthrōpos في اليونانية
في اليونانية القديمة، كلمة «ἄνθρωπος» (Anthrōpos) لها تفسيرات عدّة، من أشهرها أنّها: «الكائن الذي يرفع وجهه إلى أعلى»، ينظر إلى السماء، ويتجاوز اللحظة ليبحث عن معنى. هذا المعنى ينسجم أيضاً مع الصورة القرآنية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ و﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. كأنّ الإنسان كائن ينظر إلى أعلى، متطلِّع طَموح، لا يكتفي بالأكل والشرب والتكاثر، بل يتساءل: لماذا أنا هنا؟
Man / Mensch / Homo Sapiens
كلمة Man في الإنجليزيّة القديمة مرتبطة بالإنسان عمومًا (وليس الذَّكر فقط كما في الاستخدام الحديث)، وكلمة Mensch في الألمانيّة تحمل أيضًا بُعدًا أخلاقيًّا؛ أن تكون Mensch يعني أن تكون «إنسانًا بحقّ»، أي متخلّقًا، مستقيمًا، جديرًا بالثقة.
وفي العلم الحديث، Homo Sapiens تعني «الإنسان العاقل». هنا العلم اختار أن يختصرنا في ميزة واحدة هي العقل. لكنّ التاريخ، والأحداث، وطفرات التقنية تجعلنا نتساءل: هل نحن فعلًا «عقلاء» دائمًا؟ أم نحن أحيانًا «حيوانات عاطفية» يتبنّى قراراته أوّلًا، ثم يبرّرها بالعقل لاحقًا؟ كلّ لغة التقطت زاوية: الأرض، والعقل، والوجه المرفوع، والأخلاق، والصحبة، والنسيان، والحركة… وكلّها تحاول أن تجيب عن السؤال نفسه: ما هذا الكائن الذي يقف بين التراب والسماء، بين الغريزة والضمير؟
ثالثًا: ماذا قال الفلاسفة عن «الإنسان»؟
الفلاسفة – كعادتهم – لم يتركوا الكلمة تمرّ بسلام، كلّ واحد أمسك بطرف منها، ورسم صورة مختلفة.
الإنسان «حيوان عاقل»
التعريف الكلاسيكي في الفلسفة اليونانية: الإنسان «حيوان عاقل». «حيوان» أي كائن حيّ، جسدي، له غرائز، و«عاقل» أي يملك القدرة على التجريد، وربط الأسباب بالنتائج، والتفكير في التفكير نفسه. هذا التعريف يؤكّد أنّنا لسنا ملائكة، ولسنا حيوانات محضة، بل حالة وسط بين جسدٍ أرضيّ وعقلٍ قادرٍ على التسامي.
الإنسان كائن أخلاقي
بعض الفلاسفة ركّزوا على البُعد الأخلاقي، الإنسان هو الكائن القادر على التمييز بين «ما ينبغي» و«ما لا ينبغي»، ليس فقط ما ينفع وما يضرّ، بل ما هو «صحيح» و«خطأ» حتى لو خسر منفعة. هنا يصبح الضمير جزءًا من تعريفك، لا مجرّد تطبيق إضافي يمكن حذفه.
الإنسان «كائن يبحث عن المعنى»
مع فلاسفة الوجوديّة واللاهوتيّين المعاصرين – ومنهم فيكتور فرانكل – تظهر صورة أخرى، الإنسان كائن لا يكتفي بالبقاء، بل يحتاج إلى «معنى» يعيش من أجله. لذلك، قد يضحّي بحياته من أجل قيمة، أو من أجل فكرة، أو من أجل إنسان آخر، وكأنّه يقول «أنا لست جسدًا فقط، أنا قصّة أريد أن تُروى بطريقة معيّنة».
رابعًا: ماذا قال أهل اللغة والفكر عن الإنسان في تراثنا؟
في تراثنا العربي والإسلامي، الحديث عن الإنسان لا يقتصر على الآية والحديث، بل يمتدّ إلى اللغة والفقه والتصوّف والفلسفة.
الإنسان بين «الجسد» و«القلب» و«الرّوح»
الفلاسفة المسلمون تحدّثوا عن الإنسان كتركيب من جسدٍ وعقلٍ وروح. أمّا المتصوّفة فركّزوا على القلب بوصفه مركز الإدراك الحقيقي ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ كأنّ القلب أعمق من الدماغ في تعريف الإنسان. أنت هنا لست «جهازًا عصبيًّا متطوّرًا» فقط، بل كيانًا يشتبك فيه الطين، والنفخة، والغرائز، والوحي، في صيغة واحدة اسمها: إنسان.
الإنسان: خليفة، عبد، مُكرَّم، مُبتلى
القرآن قدّم أربع كلمات مفتاحيّة تُلخّص وضعك في الوجود، عبدٌ لله: لستَ مركز الكون، مُكرَّم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، خليفة: لك دور ومسؤولية في الأرض، لا مجرّد زائرٍ محايد، مُبتلى: تمرّ بالخير والشرّ امتحانًا لا عبثًا. هذه المفاهيم ليست تعريفات لغوية، لكنها تضيف عمقًا لكلمة «إنسان»، أنت لست رقمًا في إحصائيّة سكانية، أنت مشروع أمانةٍ واختبارٍ وتكريمٍ في وقت واحد.
قبل أن أقول لك «مَن أنت»… ماذا تقول الكلمة عنك؟
جمعنا حتى الآن عدّة خيوط في العربية
-
«إنسان» من الأُنس → أنت كائن اجتماعي، لا تكتمل وحدك.
-
«إنسان» من النسيان → أنت كائن ينسى، يحتاج إلى تذكير دائم.
-
«إنسان» من النَّوْس والحركة → أنت كائن متقلّب، في مسارٍ لا يتوقّف.
في اللغات الأخرى:
-
Homo / Human → ابن الأرض، من التراب، محدود.
-
Anthrōpos → يرفع وجهه إلى أعلى، يبحث عن ما فوقه.
-
Homo Sapiens → «العاقل»، حتى لو خانته الحكمة أحيانًا.
في الفلسفة:
-
حيوان عاقل،
-
كائن أخلاقي،
-
كائن يبحث عن المعنى.
في تراثنا:
-
قلب يحتاج إلى صقل،
-
عبدٌ مُكرَّم، خليفةٌ مُبتلى،
-
مَن لا يحيط بنفسه علمًا، لكنه مدعوّ إلى أن يعرف ربّه عبر معرفة ضعفه وحاجته.
إذا ضغطنا كل هذه الطبقات في جملة واحدة، يمكن أن نستخلص أنّ «الإنسان» كلمة تحمل في أصلها معاني الاحتياج للأُنس: أنت لست مشروعًا فرديًّا؛ بل علاقة، وأُسرة، ومجتمع، وأمّة، وذاكرة مشتركة. قابليّة النسيان: أنت تتعلّم، وتَسهو، وتُخطئ، وتُذكَّر، فتعود. هذه طبيعتك، وليست عيبًا خالصًا. الحركة والتغيّر: أنت لست ثابتًا، أنت قصّة تتحرّك، لا صورة معلّقة على الحائط. التُّراب والسماء معًا: من طين الأرض، لكن وجهك مرفوع إلى ما فوقها، تبحث عن معنى، وعدل، ورِضا. العقل والضمير: مزيج من التفكير والتمييز الأخلاقي؛ تستطيع أن تبرّر الشرّ، لكنّك في أعماقك تعرف أنّه شرّ. العبوديّة والتكريم: محدود، محتاج، لكن مُكرَّم بحمل الأمانة والاختيار.
في مقالتي الأولى سألتك: «هل تعرف نفسك حقًّا؟». في هذا الجزء لم أجب بعد عن «مَن أنت»، لكنّنا وضعنا أساسًا مهمًّا، اتّفقنا – تقريبًا – على ما تعنيه كلمة «إنسان»، وعلى الأبعاد التي تحملها، في الجزء القادم، بإذن الله، سأحاول أن أستخدم هذه الخيوط كلّها لأقول لك – بأبسط وأصدق ما أستطيع – مَن أنت، كإنسانٍ واحدٍ فريد، وكائنٍ شديد التعقيد، وما تحمله إنسانيّتك في داخلك… ما قد لا تعلمه عن نفسك بعد.






